التلفاز و الأجهزة الذكية..تكميل و ليست بديل

 بدأت وسائل الإعلام الحديث و وسائل التواصل الاجتماعي بتهديد مكانة أكثر وسائل الاعلام التقليدية انتشاراً و ثابتاً الا و هو التلفاز و أول ما قامت به الوسائل الحديثة هي أنها حوّلت التلفاز الى ما يشبه الراديو، لكن كيف تحول التلفاز إلى وسيلة سمعية بعد أن كان وسيلة مرئيّة ! إليكم الإجابةفي الحقيقة استوحيت فكرة المقالة من تغريدة كتبها أحد إخوانا المصريين على تويتر  تقول ” طول ما أنا على الأيفون ، التلفزيون زيي الراديو بالنسبة لي” استوقفتني التغريدة و أسقطها مباشرة على ما يحدث معي في فترة الثلاث سنوات الاخيرة

 

بقدر ما التويت بسيطة و مضحكة بعض الشيء بقدر ما تحمل معاني عميقة تتعلق بأسلوب حياتنا الجديد المعتمد على الأجهزة الذكية و وسائل الاتصال الحديثة او ما يسمى ب ال (الاعلام الجديد) و التي جعلت من التلفزيون و الراديو اجهزة اكل عليها الزمان و شرب ،اتحدث هنا عن حالة ربما تكون خاصة عن حالة قد تكون قد اصابت بعض الاشخاص

لا استطيع ان اذكر متى كانت  اخر مرة حدقت فيها في وجه المذيع الفلاني ، و لا اتذكر ما هي اخر مرة شاهدت برنامج كاملاً على القناة الفلانية الامر الذي يذكرني بالراديو ، كأنك تغمض عينيك و تستمع دون أن ترى، أصبحت أستمع إلى نشرات الأخبار دون مشاهدتها. غالبا ما يكون ذلك مريحاً خاصة مع كثرة الصور المحبطة و الكارثية او التي قد لا تتقبلها عيني

في بعض الأحيان اجلس في غرفة الجلوس و ابدأ بتصفح التطبيقات على جهاز الايباد الذي اقتنيه، قد تمر ساعة او اكثر دون أن اكترث لرفع رأسي و مشاهدة ما يتحدث عنه البرنامج الفلاني و في حالات قد يمر الوقت دون أن اسمع الحوار الذي دار ضيوف البرنامج العلاني . الامر الذي يشعرني بأن هناك كثير من الأمور التي غابت عني إلا انني سرعان ما أتناسى ذلك متذرعة بأنني احصل على المعلومة التي أريد في الوقت الذي أريد دون رقابة و لا تقييد كما هو الحال في القنوات التلفزيونية التي قد تحرمك أسبوعاً كاملاً من مشاهدة برنامجك المفضل او متابعة مسلسلك المفضل رغبة منها في إبقاءك أسيراً لها لرغبة القائمين على القناة على خلق شريحة من المشاهدين الدائمين .مع إمكانية أن تكون تحت رحمة الرقابة التي تفرضها القناة على المشهد الفلاني و طرح الفكرة الفلانية.

 

يعد التلفزيون من وسائل الاعلام التقليدية التي أصبحت تأتي بعد الأجهزة الذكية الا انه بالرغم من تراجع استخدامه ما يزال يتمتع بشعبية مقارنة بالراديو و الصحف المطبوعة  على الرغم من المحاولات المستمرة لمحطات التلفزيون في كسب اهتمام المشاهد ، بتغيير سياساتها التقليدية في عرض النشرات الإخبارية او البرامج الثقافية او الترفيهية و حتى المقابلات التلفزيونية. الا انني نادرا ما أوجه عيناي اليها و انا احمل هاتفي النقال او احد الأجهزة الذكية التي اقتنيها.

قد تشدني كلمة سمعتها او جملة لا تبدو مألوفة. او حتى مشهد أضعت فرصة مشاهدته على اليوتيوب  الا ان مدى انتباهي اصبح قصيرا جداً و بالي لم يعد يحتمل  المماطلة و التعمق و لابد أن يقودني هذا الى تذكر ما قاله المفكر الامريكي الشهير نعوم تشومسكي  في احد المرات عن مساوئ التويتر عندما سؤل عن رأيه فيه اجاب:  أن تويتر خلق جيل من الناس الفاقدين لرغبة القراءة فعرضه لقضايا هامة بطريقة هزلية عبر بضعة حروف( ١٤٠حرف فقط) يجعل الناس غير قادرين على إعطاء الوقت الكافي لقراءة مقال او حتى ايميل يزيد عن ١٠ اسطر. و في ذلك تسخيف لأمور مهمة في الحياة، و هو ما اعتبره أمراً دقيقاً و خطيراً إذا ما تعمقنا فيه، فقد أصبح أمر متابعة برنامج  ثقافي لمدة ساعة و نصف أمراً مرهقاً و إنهاء كتاب من ٤٠٠ صفحة من المستحيلات و الاستماع إلى أغنية تزيد عن ثلاثة دقائق أمراً مزعجاً.

 أصبحنا نريد المعلومة بأقصر وقت ممكن و أقصر عبارة  و الطعام نريده و سريعاً و كذلك نريد من علاقاتنا الاجتماعية أن تحرق مراحل سريعاً لتصل إلى نهايتها بسرعة. و هو ما يعتبر نقطة في غير صالح وسائل الاعلام و سهلاً وسائل الاتصال الاجتماعي، كما يقول المثل ( العين تتعلم قبل الاذن) و هو ما أصبحت اعتبره عادة سيئة اكتسبتها مؤخرا و هي عدم قدرتي على تذكر ما قرأت او سمعت و بدأت أعيب ذاكرتي . الشيء  الذي لا يزال التلفزيون يتفوق فيه على الأجهزة الذكية هو البث المباشر، بث الاحداث السياسية و الرياضية و حتى الفنية  ، ربما في منطقتنا العربية اكثر من غيرها نتيجة لضعف الانترنت و عدم وجود قنوات عربية كثيرة اعتمدت  وجودها كتطبيقات على الأجهزة الذكية. و بالتالي فإن هذه النقطة تعتبر في صالح العجوز الإعلامي ( التلفزيون ) الذي يوفر المعلومات بشكل أكثر توسعاً و بالتالي اعتبر متابعيه قمة في طول البال و الصبر


فالتلفزيون سيبقى صديق غرفة الجلوس و وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها مهما ظهرت وسائل ذكية اخرى حاولت ان تأخذ مكانه أو تنافسه خاصة ان هناك نسبة كبيرة من الأفراد الذين لا يستخدمون الأجهزة الذكية. او ما يمكن ان نسميهم بجيل التلفزيون. و سبق ان ذكرت دراسة تقول أن ٩٠ ٪ من البشر لا يزالون يستخدمون التلفاز في الحصول على المعلومات  ،كما أظهرت اكبر دراسة من نوعها أجرتها شبكة بي بي سي البريطانية، إن الحواسيب اللوحية في الواقع تكمل شاشة التلفزيون في مشاهدة الأخبار ولا تشكل بديلا لها، وأن الفئات العمرية بين 25-34 سنة هي الأكثر حماسا للأخبار في العصر الرقمي. و هذا أمر غاية في الصحة، قد اقرأ الخبر على جهازي الذكي. و اكتفي بتقرير واحد عنه في احدى القنوات التي قد تحلل و تعلل و توضح بصور و تعليقات لا تأتي مع الخبر الخام الذي تنشره الوسائل الرقمية. قد اشاهد مباراة على التلفاز ثم أتركه لأذهب الى الفيسبوك او التويتر لاستعراض ردود الأفعال عن الحدث. التلفاز و وسائل الاعلام الحديثة أصبحت متداخلة مع بعضها البعض ، أنها تكميل و ليست بديل لم أن أتخيل يوماً نفسي أتخلى عن التلفاز الذي كان جزءً لا يتجزأ من حياتي اليومية فمتابعة نشرات الأخبار و تحليلاتها و كذلك المباريات أو متابعة مسلسل يومي يعرض على إحدى القنوات دون غيرها كان و ما يزال أمراً أساسياً في حياتي اليومية لكن ومع كل التغييرات التي تحصل في هذا العالم ، أصبحنا نتخلى تدريجياً عن بعض من اهتماماتنا لنسمح بدخول اهتمامات جديدة تتناسب مع حياتنا الجديدة القائمة على السرعة و الاختصار و تجعلنا ننسى أشياء كنا قد جعلناها من أولويات حياتنا .. فدوام الحال من المحال

 
 
 
 
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s