التنمية البشرية و البرمجة اللغوية العصبية …. قشور و مبالغة و خزعبلات

أيقنت مؤخراً أني لن أتحول إلى شخص كامل يحمل كل المهارات اللازمة للحياة الاجتماعية و العمل، لذلك قررت ألا ألهث وراء كل جديد في عالم الثقافة و العلوم. و أحاول تطوير ذاتي بما يتناسب بما لدي من قدرات ، فقبل فترة ليست ببعيدة استوقفتني عناوين عريضة عن دورات تحولك من شخص فاشل إلى شخص ناجح في ستة ايام!! الدورات متفرعة إلى عدة أقسام تحت مسمى ( البرمجة العصبية اللغوية) و التي تندرج تحت قسم التنمية البشرية .

كان لدي فضول أن أعرف المزيد خاصة و أني لم أقابل شخصاً الا و تكلم عنها أو لديه شهادة فيها أو أنه يسعى للحصول عليها. ذهبت إلى جوجل و حاولت التعرف أكثر و طبعا أول موقع يصادفك في البحث هو الويكيبيديا الذي عرفها بالبرمجة اللغوية العصبية :  مجموعة طرق وأساليب غير مثبتة علميًا تعتمد على مبادئ نفسية…

لم أقتنع بهذا التعريف فكيف لعلم بهذه الشهرة و الانتشار و أعداد المدربين والدورات الباهظة التكاليف أن تكون ( طرق و أساليب غير مثبتة علمياً)!! اتجهت إلى مواقع تدعم البرمجة اللغوية العصبية و وجدت تعريفات و كذلك المجالات التي تختص بها. فوجدت أنها تفوقت على كل العلوم في العالم لا بل على حسب توصيفات أنصارها فهي تمتد الى كل شيء من وقت استيقاظك من نومك إلى دخولك الحمام قبل نومك ليلاً.إنها منهج حياة !!

لقد امتدت تطبيقات البرمجة اللغوية العصبية إلى كل شأن يتعلق بالنشاط الإنساني كالتربية و التعلــيم و الصحة النفسية والجسدية والرياضة والألعاب و التجارة و الأعمـــال الدعاية والإعلان والمهارات والتدريس والتدريب والفـــنون والتمثيل والجوانب الشخصية و الأسرية و العاطفية و الاتصال و التأثير على الآخرين.

من فوائد البرمجة اللغويه العصبيه :

– تطوير الشخصية: زيادة الثقة بالنفس ، إتقان حسن الاتصال مع ذاتك ومع الآخرين ، إزالة الخوف والمشاعر المؤلمة، تخفيف الألم.
– تطوير الأداء : تنمية الحوافز للعمل والإنتاج ، تطوير التفكير الإبداعي ، تحسين قدرتك على الخطابة والإلقاء ، رفع مستوى الأداء الرياضي والفني والمهني، معرفة إستراتيجية نجاح وتفوّق ونبوغ الآخرين ومن ثمّ تطبيقها على نفسك.
– التربية والتعليم و التدريب: سرعة التعلم والتذكر ، تشويق الطلاب للدراسة ، رفع مستوى الأداء للأساتذة والمعلمين
– الإدارة و التجارة و الأعمال: مهارات التفاوض والبيع والتسويق ، تحفيز الموظفين ، تحديد الأهداف ، التخطيط الاستراتيجي

    

 نعم كل هذا !.. و لتكون خبيراً فيها عليك الحصول على شهادات ما أنزل الله بها من سلطان و كله في ٦ أيام، لقد أصبح كل من هب و دب قادراً على الحصول على شهادات من جامعات كامبريدج و يال و نيويورك و زميل لعلمائها في التنمية البشرية

و أكثر ما يثير استغرابك هو كم الكتب التي ألفها في ٦ أيام أيضاً على ما يبدو ، أحب أن أسمي هذه الكتب بالوهم الممتع أو الوهم المشجع ، شخصياً استفدت من هذه الكتب لكسب تشجيع ذاتي أكبر لكي أحقق بعض الأمور في حياتي ، ولكن هل هي الأساس ، طبعاً لا ، إن فائدة هذه الكتب فقط في القشور وفيها الكثير من المبالغة التي قد تضع الإنسان في وهم لا منتهي لا يحقق منه أي إنجاز ، بغض النظر عن مآخذي على الكتب المترجمة غالباً فهناك مآخذ اخرى أهم. فالتنمية البشرية تعتمد بالدرجة الاولى على نظريات ضعيفة في علم النفس. فهي لا تراعي الفروق الفردية بين الأفراد فالجميع لديها قادرعلى تحقيق النجاح و الجميع قادر على الوصول الى ما يريد و الجميع قادر الى ان يتحول الى شخصية محبوبة بعصا سحرية اسمها العقل الباطن  و قدراته الكامنة  والطبع فإنك في حال لم تكتسب المهارات التي تقدمها لك البرمجة اللغوية العصبية في ٦ أيام فإنك ستصاب بالإحباط و الشعور بالفشل . و أعرف أناساً عانوا من ذلك في السابق  و أسوء ما في هذه التفاهات هو عندما يحاول الشخص تطبيقها في الحياة العامة مع الناس. سيظهر بمظهر المنافق المصطنع بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى
لست هنا لأقلل من أهمية نظريات علم النفس و لكني ضد أن يكون علم يعتمد على النفس البشرية بين أيدي أشخاص غير مختصين لا علاقة لهم به لا من قريب و لا من بعيد يحللون و يشخصون و يعالجون دون أي شيء يثبت قدرتهم على ذلك ، أنا ضد أنهم  يتعاملون معه بهذه السذاجة و السطحية و يحولوه إلى سلعة لكسب المال

 مغررين  بالكثير من الشباب الطامح بشعارات كبيرة و عناوين رنانة

طبعاً بإمكانك الاستفادة من هذا العلم اذا صحت التسمية ، خذ منها الفكرة الاساسية من ناحية زيادة الثقة بالذات وأنك تقدر على أن تحقق ما تريد بالجد والمثابرة وأن تهمل كلام المثبطين الذين يحاولون زعزعة طموحك ، ولكن لا تبالغ في تصديقهم ولا تضيع وقتك في قراءة كافة الكتب في هذا المجال ، إن كنت تشعر بنوع من عدم الثقة بالذات اقرأ كتاب أو اثنين لكي تشجع نفسك ، ثم ابدأ بقراءة ما هو مفيد لك ، وأعلم أن الوقت الذي سوف تبذله لتعلم أو عمل شيء تحبه سوف يحقق لك نجاح حقيقي وثقة بالذات وفوائد أكبر من قراءة 1000 كتاب في مجال التنمية البشرية.

كن كما أنت و توقف عن نشود الكمال لأنك مهما حاولت و حضرت دورات فن التفاوض و إدارة الوقت و القدرة على الاقناع و أن تصبح إيجابياً فإنك لن تتحول إلى شخص ناجح و محبوب دون أن يكون هناك توفيق من الله و محبة من خلقه. و لا يمكن لأي شخص أن يحصّل كل هذه المهارات من خلال دورات ال ٣ أو ٦ أيام دون ممارسة فعلية. على العموم هذه الأمور أصلا ستأتي لوحدها لست بحاجة لأن تدرب نفسك على وضع جدول زمني لإدارة أعمالك خلال اليوم مثلاً و لا أن تحصل على الأصدقاء إذا وقفت بطريقة معينة و فتحت فمك بزاوية ٥٠ درجة و تحدثت بصوت متوسط و تحدثت بمواضيع تهم المرأة و المجتمع.

طور لغتك الأجنبية. تعلم الكومبيوتر و اكتسب خبرات عملية من خلال عملك و محيطك الاجتماعي. و سترى الفرق هذا لا يلغي أن هناك بعض المهارات الضرورية التي لابد من الفرد أن يكتسبها من أهل الخبرة ، لكنك غير مضطر لدفع مبلغ  ٥٠٠ او ١٠٠٠ دولار لتصبح سوبرمان في ستة أيام. الانسان الذي لديه رغبه في التغيير فقط يضع هدف له ويعمل عليه ليل نهار حتى يحققه ، أما الانسان الذي ليس لديه الرغبة مهما قرأ من الكتب ومهما حلم ولم يعمل بجد لن يحقق شي ويبقى حبيس نفسه . هدف + عمل = أنجاز أنجاز + عمل = تحقيق الذات

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s