الأفكار الذهبية

من أسوء الحالات التي قد تمر علي، غير حالات القلق العام الذي لا أعرف سببه و لا الانتظار الذي لا أعرف نهايته و لا التشاؤم الموسمي و الأفكار السوداوية التي ترافقه، إنها حالة تلاشي الأفكار الذهبية، إنه حالة مزعجة للغاية، عندما تكون جالسا تفكر في يوم مرهق شارف على الانتهاء، أو بينما كنت تسير وحيدا في شوارع مزدحمة تفكر في مواقف سخيفة حصلت معك سابقا أو بينما كنت تتأمل و تعيش حالة بعيدة عن الواقع أو قبل أن تخلد إلى النوم عندما تبدأ كل الأفكار في رأسك تطارد نومك. و فجأة! تلمع فكرة ما في رأسك، اقتباس أو نظرية أو خاطرة و تشعر و كأن عبقريا ما قد ظهر و بدأ يتلفظ بعبارات لم تتوقع يوما أنها ستخرج منك و يستمر عقلك الخارق بإنتاج الأفكار و الأحكام واحدة بعد الأخرى ويأتيك شعور أن لابد لهذه الفكرة أن تغير العالم. و تقول في نفسك حالما أصل إلى المنزل سأدون ذلك! إلا أن الذاكرة البشرية مخادعة و لا يمكن الوثوق بها دائما و كثيراً ما عانيت من هذا الموضوع شخصياً.

ففي خضم أحلامك يرن هاتفك، أو تصل إلى المكان الذي كنت متوجها إليه، أو يغالبك النعاس و تنام لتستيقظ في اليوم التالي و قد نسيت كليا كل ما كنت تفكر به

و بعد انقضاء فترة من الزمن تستعيد أين كنت في أفكارك و لكنك عبثا تحاول أن تستعيد تلك الفكرة الثمينة في فوضى عقلك فلا تجد شيئا و إن وجدت فستكون ناقصة و معلولة. أين ذهبت تلك الأفكار أيها الغبي! مخاطبا عقلك.. لا تكاد تصدق أنك لم تعد تملك تلك الأفكار التي كنت قبل فترة وجيزة تفكر بها, إنه اشبه بكابوس حقير لا يحتمل, لقد ضاع كل شيء في غياهب عقلك المشوش, و ستكتشف في وقت متأخر أن المماطلة و التأجيل هي أسوء عدو للأفكار الذهبية.

منذ فترة قرأت اقتباس لمؤلف موسيقي و كاتب يدعى “بيرليوز” كان في فراشه يستعد للنوم و إذا بمقطوعة موسيقية تعزف في عقله، لقد تصورها على أنها قطعة موسيقية نادرة ستجعل منه شخصا مشهورا إلا أنه استسلم للنوم و لم يقم بتسجيل تلك المقطوعة يقول بيرليوز محادثا نفسه أثناء صراعه بين النوم و اليقظة :

” لو أنني بدأت هذا المقطع فسأضطر لكتابة السيمفونية كلها و هو عمل ضخم سوف يستغرق ثلاثة أو أربعة أشهر و هذا يعني أنني لن أكتب المزيد من المقالات و بالتالي لن اكسب المزيد من المال و لن تجد زوجتي ضرورات العلاج هذه الهواجس ارعبتني فألقيت بالقلم ساخطا سحقا غدا سوف أكون قد نسيتها ,

و لكني في الليلة التالية سمعتها بوضوح شديد و أكاد أكون قد رأتها مكتوبة و كنت على وشك أن أقوم من فراشي و لكن عادت هواجسي مرة أخرى و خلدت إلى النوم و استيقظت في اليوم التالي و قد كانت السمفونية قد تسربت من ذاكرتي للأبد. “

داروين على سبيل المثال كان يكتب كل ما يفكر به، أي فكرة مهما كانت صغيرة كان يدونها, لدرجة أنه عندما قام العلماء بقراءة نظريته المدونة على دفتره الخاص بعد وفاته وجدوا أنه لم يكتب النظرية دفعة واحدة بل كانت عبارة عن أفكار متناثرة و صغيرة و متسلسلة مكتوبة في يومياته و كأنها مذكراته..

إن تواجد القلم و الدفتر معك أينما ذهبت لابد أن يكون من الضروريات التي تحملها خاصة تحت الوسادة، تماما كما تحمل هاتفك الذكي معك لأن الأفكار اللامعة و الاستثنائية ليس لديها وقت محدد للظهور و كذلك لا وقت محدد لتلاشيها فهي تختفي بسرعة البرق تماما كما تظهر و لا تدري ربما تكون إحدى هذه الأفكار الشرارة التي ستطلقك عاليا و تسجل اسمك مع العظماء! أو بإمكانك فقط أن تحتفظ بها لنفسك و أعمالك الخاصة. بعضها قد يكون دفعا إيجابيا لك. و هذا الأمر ينطبق على العديد من المجالات في الموسيقى و الهندسة المعمارية و البرمجة إضافة إلى العلوم الإنسانية و الكتابة. كل ما تحتاج إليه هو كثير من التنظيم و قليل من الدافعية لتدون ما ظهر في عقلك من أفكار

هناك العديد من التطبيقات السهلة التي تساعد على تدوين الأفكار و المشاريع و ما إلى ذلك بغاية البساطة و إذا كنت من الأشخاص التقليديين فإن القلم و الورقة دائما تفي بالغرض

لا تستهن بأفكارك مهما كانت غبية و صغيرة. دونها أو حتى سجلها صوتيا و احرص على ألا تضيع منك. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s